سيد محمد طنطاوي

162

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

مأخوذ من القربة بمعنى الحظوة ، وهو أبلغ من القريب ، لدلالة صيغته على الاصطفاء والاجتباء . . أي : أولئك هم المقربون من ربهم - عز وجل - قربا لا يعرف أحد مقداره . وقوله - سبحانه - : * ( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) * بيان لمظهر من مظاهر آثار هذا التقرب . قال الآلوسي : وقوله : * ( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) * متعلق بقوله * ( الْمُقَرَّبُونَ ) * أو بمضمر هو حال من ضميره ، أي كائنين في جنات النعيم . وعلى الوجهين . فيه إشارة إلى أن قربهم محض لذة وراحة ، لا كقرب خواص الملك القائمين بأشغاله عنده ، بل كقرب جلسائه وندمائه الذين لا شغل لهم ، ولا يرد عليهم أمر أو نهى ، ولذا قيل * ( جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) * دون جنات الخلود ونحوه . . « 1 » . ثم قال - تعالى - : * ( ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ . وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ) * والثلة : الجماعة الكثيرة من الناس ، وأصلها : القطعة من الشيء . . وهي خبر لمبتدأ محذوف ، وللمفسرين في المراد بالثلة من الأولين ، وبالقليل من الآخرين ، اتجاهان : أولهما : يرى أصحابه أن المراد بقوله : * ( ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ) * : أولئك السابقون من الأمم الكثيرة السابقة على الأمة الإسلامية ، وهم الذين صدقوا أنبياءهم وعزروهم ونصروهم . والمراد بقوله : * ( وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ) * المؤمنون من هذه الأمة الإسلامية . وعلى هذا المعنى سار صاحب الكشاف . فقد قال : الثلاثة ، الأمة الكثيرة من الناس ، قال الشاعر : وجاءت إليهم ثلة خندقية بجيش كتيار من السيل مزبد وقوله - عز وجل - : * ( وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ) * كفى به دليلا على الكثرة - أي في لفظ * ( ثُلَّةٌ ) * - وهو من الثل وهو الكسر - . . كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم . والمعنى : أن السابقين من الأولين كثير ، وهم الأمم من لدن آدم - عليه السلام - إلى محمد صلى اللَّه عليه وسلم . . * ( وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ) * ، وهم أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم « 2 » . وأما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه ، أن الخطاب في قوله - تعالى - : * ( وكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ) * للأمة الإسلامية خاصة ، وأن المراد بقوله * ( ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ) * صدر هذه الأمة الاسلامية .

--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 27 ص 133 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 53 .